الفصل 447 من القانون الجنائي المغربي: شرح جرائم انتهاك الحياة الخاصة والعقوبات مع أمثلة عملية (الجزء الثاني)
شرح الفصل 447-2 من القانون الجنائي المغربي
إذا كان الفصل 447-1 يعاقب على التقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع الأقوال أو الصور الخاصة دون موافقة أصحابها، فإن الفصل 447-2 يذهب خطوة أبعد، إذ يجرم أيضا استعمال تلك الصور أو التسجيلات للإضرار بالغير أو المس بسمعته وحياته الخاصة.
وقد جاء هذا المقتضى لمواجهة ظواهر انتشرت بشكل كبير مع وسائل التواصل الاجتماعي، مثل نشر الصور الخاصة بدافع الانتقام، أو تركيب صور ومقاطع فيديو، أو نشر ادعاءات كاذبة بقصد التشهير.
وينص الفصل 447-2 على معاقبة كل من قام، بأي وسيلة بما فيها الأنظمة المعلوماتية، بما يلي:
- بث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته دون موافقته.
- بث أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم.
ويلاحظ أن المشرع لم يقتصر على الصور الحقيقية، بل شمل أيضا الصور أو المقاطع المركبة أو المعدلة إذا كان الهدف منها الإضرار بالضحية أو التشهير بها.
ماذا يقصد بتركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته؟
يقصد بها كل عملية يتم فيها تعديل أو دمج أو تركيب صورة أو تسجيل أو مقطع صوتي بطريقة توحي بأن الشخص قال أو فعل شيئا لم يحدث في الواقع.
ومن الأمثلة على ذلك:
- دمج صورة شخص داخل صورة أخرى.
- تعديل فيديو باستعمال برامج المونتاج.
- تركيب تسجيل صوتي يوحي بأن الشخص أدلى بتصريحات معينة.
- إنشاء محتوى مزيف باستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي إذا كان الهدف هو التشهير أو المس بالحياة الخاصة.
وهذا النص أصبح أكثر أهمية مع انتشار تقنيات التزييف العميق (Deepfake) التي تسمح بإنشاء صور أو فيديوهات يصعب أحيانا التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي.
ما عقوبة الفصل 447-2؟
حدد المشرع المغربي العقوبة في:
| الفعل | العقوبة |
|---|---|
| بث أو توزيع صورة أو أقوال مركبة دون موافقة صاحبها | الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم |
| نشر ادعاءات أو وقائع كاذبة بقصد التشهير أو المس بالحياة الخاصة | الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم |
وتطبق هذه العقوبات سواء تم النشر عبر الإنترنت أو بواسطة أي وسيلة أخرى، متى توافرت العناصر القانونية للجريمة.
هل يشترط أن تكون المعلومات كاذبة دائما؟
- لا.
- وهنا تظهر نقطة مهمة يخطئ فيها كثير من الناس.
- فالفصل 447-2 يعاقب على حالتين مختلفتين:
- الحالة الأولى
- نشر أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال أو صورة شخص دون موافقته.
- ولا يشترط في هذه الحالة أن تكون الوقائع كاذبة، وإنما يكفي أن تتحقق الشروط التي نص عليها القانون.
- الحالة الثانية
- نشر ادعاءات أو وقائع كاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة أو التشهير.
- وهنا يشترط أن تكون الادعاءات أو الوقائع المنشورة غير صحيحة وأن يكون الهدف منها الإضرار بالضحية.
شرح الفصل 447-3 من القانون الجنائي المغربي
- بعد أن حدد المشرع الأفعال المجرمة في الفصلين 447-1 و447-2، خصص الفصل 447-3 لتشديد العقوبة في حالات معينة يرى أنها تستوجب حماية أكبر.
- ولا ينشئ هذا الفصل جريمة جديدة، وإنما يرفع العقوبة إذا ارتكبت الأفعال في ظروف خاصة.
متى تشدد العقوبة؟
تشدد العقوبة إذا ارتكبت الجريمة في إحدى الحالات الآتية:
- في حالة العود.
- إذا كان مرتكب الجريمة هو الزوج.
- إذا كان الطليق.
- إذا كان الخاطب.
- إذا كان أحد الأصول.
- إذا كان أحد الفروع.
- إذا كان الكافل.
- إذا كان شخصا له ولاية أو سلطة على الضحية.
- إذا كان مكلفا برعاية الضحية.
- إذا ارتكبت ضد امرأة بسبب جنسها.
- إذا كانت الضحية قاصرا.
ويبين هذا التعداد أن المشرع منح حماية أكبر للأشخاص الذين قد يكونون أكثر عرضة للاستغلال أو الابتزاز.
ما العقوبة في الفصل 447-3؟
حدد الفصل 447-3 العقوبة في:
- الحبس من سنة إلى خمس سنوات.
- غرامة من 5.000 إلى 50.000 درهم.
ويلاحظ أن العقوبة أصبحت أشد من العقوبات المنصوص عليها في الفصلين السابقين بسبب خطورة الظروف المحيطة بالجريمة.
أركان جرائم انتهاك الحياة الخاصة
لا يكفي وقوع التصوير أو التسجيل حتى تقوم الجريمة، بل يجب أن تتوافر أركانها القانونية.
أولا: الركن القانوني
يتمثل في النصوص الزجرية الواردة في الفصل 447 وما ارتبط به من مقتضيات، خاصة الفصول 447-1 و447-2 و447-3.
ولا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.
ثانيا: الركن المادي
الركن المادي هو الفعل الذي يرتكبه الجاني.
وقد يتمثل في:
- التقاط صورة.
- تسجيل صوت.
- تصوير فيديو.
- بث المحتوى.
- نشر المحتوى.
- توزيع المحتوى.
- تركيب الصور أو التسجيلات.
- نشر ادعاءات كاذبة.
ثالثا: الركن المعنوي
تشترط هذه الجرائم توافر القصد الجنائي.
أي أن يكون الفاعل قد قام بالفعل بإرادة وعلم، مدركا أنه يلتقط أو يسجل أو ينشر محتوى يتعلق بالحياة الخاصة لشخص آخر دون موافقته.
ويستخلص القصد الجنائي من ظروف القضية وملابساتها، ويخضع لتقدير المحكمة.
كيف تثبت هذه الجرائم؟
معظم هذه القضايا تعتمد على الأدلة الرقمية، ولذلك أصبحت الخبرة التقنية ذات أهمية كبيرة.
ومن وسائل الإثبات التي قد تعرض على المحكمة:
- الهواتف المحمولة.
- أجهزة الحاسوب.
- التسجيلات الصوتية.
- الصور.
- الفيديوهات.
- الرسائل الإلكترونية.
- المحادثات عبر تطبيقات التواصل.
- تقارير الخبرة التقنية.
- محاضر الضابطة القضائية.
وتبقى للمحكمة السلطة التقديرية في تقييم قوة هذه الأدلة ومدى مشروعيتها.
دور الضابطة القضائية والنيابة العامة
عند تقديم شكاية تتعلق بانتهاك الحياة الخاصة، تباشر الضابطة القضائية إجراءات البحث تحت إشراف النيابة العامة.
وقد تشمل هذه الإجراءات:
- الاستماع إلى المشتكي.
- الاستماع إلى المشتبه فيه.
- حجز الأجهزة الإلكترونية عند الاقتضاء.
- إجراء الخبرات التقنية.
- جمع الأدلة الرقمية.
- تحديد مصدر النشر أو البث.
وبعد انتهاء البحث، تقرر النيابة العامة حفظ الملف إذا لم تتوفر عناصر المتابعة، أو تحريك الدعوى العمومية وإحالته على المحكمة المختصة إذا تبين وجود مؤشرات كافية على ارتكاب الجريمة.
ماذا تقول محكمة النقض؟
- أكدت محكمة النقض في العديد من قراراتها أن حماية الحياة الخاصة تعد من المبادئ الأساسية التي يحرص عليها التشريع المغربي، وأن تقدير وسائل الإثبات في القضايا الجنائية يعود لقضاة الموضوع، متى كان الحكم معللا تعليلا سليما ومستندا إلى أدلة مشروعة.
- كما تشدد المحاكم على ضرورة الموازنة بين حماية الخصوصية وضمان حقوق الدفاع واحترام قرينة البراءة، فلا تقوم المسؤولية الجنائية إلا إذا ثبتت أركان الجريمة وفق القانون.
- ولعدم وجود قرار محدد مطلوب في هذا المقال، يقتصر التحليل على المبادئ العامة المستقرة في الاجتهاد القضائي دون نسبة أرقام قرارات غير متحقق منها.
أخطاء شائعة يقع فيها الكثير من الأشخاص
من أكثر المعتقدات الخاطئة انتشارا:
- الاعتقاد أن حذف الصورة بعد نشرها يمنع المتابعة الجنائية.
- الاعتقاد أن إرسال الصورة لمجموعة خاصة لا يعد نشرا.
- الاعتقاد أن تصوير شخص معروف يبيح نشر صورته في جميع الظروف.
- الاعتقاد أن إعادة نشر صورة منشورة سابقا لا يترتب عنها أي مسؤولية.
- الاعتقاد أن التسجيل الصوتي يصبح مشروعا لمجرد الاحتفاظ به.
والواقع أن تقييم هذه الحالات يختلف بحسب الوقائع، وطبيعة المحتوى، ومكان التصوير أو التسجيل، ووجود الموافقة، وتقدير المحكمة للنصوص القانونية الواجبة التطبيق.